راح خالد .. ارتاح خالد
أيُّها الخالدُ .. وداعاً ، قدْ أخذكَ الله شهيداً إلى جِِنانهِ و تركنا في جَحيمِ الدّنيا ، نُعذّبُ أرواحنا و تُعذِّبنا .. و نبكي .. نبكي .. نبكي .. غِيابَك و بقاءنا .
رفيقَ العُمرِ .. لو تأخُذُني معك ، فاليومَ الذي قضيتُه معك قبل أُسبوعين لم يُشبعني منك ، الآن فقط أستشعرُ حجمَ التّعب الذي كُنت تُحِسّه .. و بي رغبةٌ عميقةٌ لاحتضانك ، للتهوين عليك ، لأوشوشَ في أُذنيك أنَّ الله أخّر زواجكَ الذي كان حُلمكَ ، ليقدّمَ لك حُوريةً حسناءَ أجملَ بكثيرٍ و أطهرَ بكثيرٍ من كلِّ اللواتي كُنت تقدّم لي أوصافهُنَّ قائلاً : هكذا أحلمُ أن تكون زوجتي .
الآن يا خالد .. ترتاحُ كما لم ترتحْ من قبل ، و تنامُ نوماً هنيئاً لا يُعكّر صَفوَهُ صوتُ المُنبّهِ اللّعين عندَ الرّابعة و النصفِ فجراً إيذاناً بيومِ عملٍ مضنٍ لأكثرَ من اثنتا عشرةَ ساعةً تحتَ شمسِ الخليجِ التي حرقتْ كثيرين من أمثالنا و حَرَقَتكَ أنتَ بالشّكل الذي أوجع قلب والِدتك في آخرِ إجازةٍ لك ، قبلَ أن تستحلفك أن تستعمل كلَّ مراهِمِ الكونِ ليَخِفّ أثرُ هذهِ الشّمس على ذلك الوجهِ الموغِلِ بالبراءة ، حتى سألتَني في آخرِ لقاءٍ بيننا هنا في ( الدّمام ) حيث أسكنُ و حيث جِئتَني زائراً من ( الرّياض ) قبل أسبوعين :
- بالله عليك .. انظر إليَ ، تبدو عليَ معالِمُ الشّيخوخة أليس كذلك ؟
......................................................................
الآنَ يا خالد .. الآن .. عَرِفْتُ لِمَ كُنتَ تَطُلُّ عليّ بشكلٍ مستمرٍ في أحلامي بشكلٍ لم يَبعثْ الرّيبة في نفسي لأنني اعتبرتُه عارضاً و لمجرّد أنّك رفيقُ العمرِ ، حتّى هاتفتني قبلَ يومٍ واحدٍ من غدرِ السلسةِ الحديديةِ التي لَطمَتْ خدّك الطّاهر و آذتْ عينكَ الخجولَة لتسألني عني لأحلِفَ لك :
- أُقسِمُ لك يا خالد أنّك في هذه اللحظات ، و قبل أنْ يرنّ هاتفي كُنتَ ترّنُ في مخيلتي .
و لتقولَ ضاحكاً تلك الضحكة التي سأشتاق .... سأشتاق ... كثيراً إليها :
- لماذا كُنتُ في بالك !؟
و لمّا أخبرتُك أن إجازتي قد تتأخر ، ألححتْ عليَ لأزوركَ في ( الرّياض ) ، قبلَ أن أعتذِرَ :
- و هل السّفر إلى الرياض بهذه السهولة ؟
......................................................
و لبيّتُ دعوتَكَ يا خالد .. رغمَ أنفي ، في يومِ الخميس يومِ لقائنا المعتادِ لأنّه اليومُ الذي يسبق يومَ إجازتِكَ الوحيدة ( إلا إذا أراد عملّك غيرَ هذا ، أي أن تعمل أيضاً يوم الجمعة ! ) الواقع في 8 أيار عام 2008 ، أتيتك أيّها الخالدُ في روحي و ذاكرتي و ذاكرةِ أشيائي و بيتي و طفولتي ، في ذاكرةِ البحرِ الذي كان ثالثنا قبل أسبوعين حيث تناولنا على إطلالته عشاءنا ، ثم .. في اليوم التالي شربنا الشاي و أكلنا ( البزورات ) و أكلنا الفاكهة و .. أحصينا بحضورهِ و شهادتهِ همومنا و مشاكلنا و هواجِسَنا و أوجاعنا و دموعنا و الوقتَ الباقي لكي يُريحنا الله منها ..
سبحانك يا رب .. سبحانك ، ها قد أرحته مِنها كُلّها .
...................................................................
يوم الأربعاء .. 7 أيار ، اتصل بي ابن عمّتي ( أختُ أبي ) و أنا أنتظر أن يَجهَزَ غذائي الذي ابتعتُه من أحدِ المطاعم و بعد السّلام سألني مباغتاً :
- أتتكلم مع خالد ؟
( نِصفُ ريبةٍ تقطعُها فِكرة أنّه يريدهُ في مسألةٍ خاصةٍ لِعلمي أنْ لا علاقة مباشرة بينهما إلا من خلالي خاصّة أنني كّلفتُ المرحوم بإحضار حاجةٍ خاصة لي من عندِ ابن عمتي ) .
- لا .. منذ فترة طويلة ( كنا قد تحادثنا يوم السّبت أي قبلَ يومٍ واحدٍ من الحادثة التي أودت بحياته بعد أيام و اعتبرتُ المدّة طويلة رغم أنها لم تتجاوز الثلاثة أيام ) .
( و بعد أن لفظتُ آخرَ حرفٍ من جوابي المقتضب .. و لأنّ لحظةَ صمتٍ أطبقتْ على أنفاسي أتبعتُه دونَ أيّ تفكير لمّا اكتملتْ ريبتي و عدّلتُ نبرَة صوتي لتصبِحَ أشدّ و أقوى ، أتبعتُ جوابي بسؤالٍ ملّحٍ مستعجل الإجابة ) .
- خير .. ماذا هناك ، هل أصابهُ مكروه ؟
( آخ .. آخ .. يا إلهي كم هو بليغٌ أحياناً حديث الصمت .. لحظة صمتٍ واحدة نبّأتني بخبرٍ مفجع ) .
- خالد في العناية المشددة منذ ثلاثة أيام .. حصل معه حادث أثناء عملهِ .
...............................................................
- أخبرني .. طمئني .. متى .. كيف ... الآن .. غداً .. لماذا .. انتظار .. حيرة .. دمع ... و أغلِقُ هاتفي .
..................................................................
أتّصلُ بابنِ عمّه .. أتطمئنُّ كثيراً منه أنّه أصبح بخير ، و أنّ عمليتين جراحيتين في الجمجمة المتضرّرة قد أُجريتا بنجاح و أن كلّ البوادر تؤكّد أن حالتهُ مستقرة .
أستحلفهُ أن يُخبرني بكلّ التفاصيل .. و أغلقُ الهاتف دون أن أُعاتِبَهُ لأنّهُ لم يُخبرني تقديراً للظّرف ، و لمعرفته بعمقِ صداقتنا مبرّراً لهُ أنّه لم يشأ أن يخيفني عليه و أنّه – كما أخبرني لاحقاً - آثر أن يطمئنني هو ( أي خالد ) بنفسهِ عندما تتحسن حالتُه ..
ثمّ أعود إلى بيتي و أنا أحملُ رأسي بين يدي .
عند المساء .. عاودتُ الاتصال بابنِ عمّه الذي أكّد هذه المرّة أن الأمور تسير على ما يُرام و لا أخفي أنني كُنتُ مرتاحاً لأجوبتهِ خاصّة أنّه يعلم جيداً أنني و خالد من أعزّ الأصدقاء و أنّنا ثلاثتُنا سبق و كنا معاً في آخر رحلةِ حجٍّ قبل أقلّ من خمسة أشهر .
صباح اليوم التالي كُنتُ مرتبِكاً في اتّخاذ قرارِ السفر إلى ( الرياض ) لعدّة اعتبارات أهمّها أمورٌ تعوقني عن الذّهاب في هذا التوقيت بالذات ، لكنّ حراجةَ الموقفِ جعلتني أتجاهلُ كلّ ذلك و أقرّر السفر بعدَ أن أجهّز نفسي و اُرتّبَ ظروفي استعداداً لرحلةٍ قد تطول لرغبتي بالبقاءِ إلى جانبهِ خلال فترة علاجهِ ..
و على غير العادة ... أدخلُ إلى الجّامع لصلاة الظّهر دون أن أُقفل هاتفي الجوّال بل أكتفي بإخراسه دون أن أُفسّر ذلك إلا لاحقاً ..
أصلّي .. أبتهل .. أجهش بالبكاء في داخلي .. أرجو الله أن يشفي صديق عمري بأسرع وقت و أن يُجنّبه كلّ شر . ( كُل الخوف في هذه المرحلة كان من الآثار الجانبية للضربة التي كانت في الجانب الأيمن من رأسه و عينه اليُمنى ، كلّ الخوف كان من آثار قد تودي إلى الشلل أو فقدان الذاكرة أو ما شابه ذلك ، لكن كلّ المؤشرات التي قُرِئت قبل دخوله إلى العملية كانت تقول أن حالة أطرافهِ كانت سليمة و أنّّه كان يتجاوب مع من حوله و يتعرّف عليهم بأسمائهم ) .
يهتزّ الهاتفُ في جيبي .. أهتزّ معه .. يهتزُّ فؤادي .. أدركُ أنني أطفأتُ رنينه دون أن أطفئَه .
و على غير العادة أيضاً ( فسّرتُ السبب لاحقاً ) أنبشُ جوالي من جيبي بسرعة و أنا ما زلت في الجّامع ، لأطالِعَ اسمَ المتصل ليفاجِئني أنّه ابن عمّتي الآخر و الذي كُنتُ على خصامٍ من النّوعِ البسيط معه .
أهرع إلى سيارتي و قبل أن أشغّلها ، أكلّم قريبي و بعد السّلام البّاهِتِ نسبياً و قد اعتقدت أن سببه يعود إلى الخصام الذي نشأ في آخرِ زيارةٍ لي إلى ( الرياض ) حيثُ زرتُ خالد و قمتُ بتسيير بعض الأعمال هناك و لم ألتقي بابنِ عمّتي الذي يسكن بنفس المدينة مع أخيه الكبير .
قطعتُ هذا السلام البّارِد بريبةٍ من نوعٍ آخر :
- نعم .. ما هي أخبارك ، ماذا هناك ..
- خالد نصر ........
و رغم أنّه كان يتكلم ببطءٍ نوعاً ما و بارتباك ، إلا أنني توقّعتُ أنه يريد إخباري بالحادثة التي أصابتْ أحدَ أعزّ و أغلا أصدقائي علي ، ربما لأنّه أعتقد أن كلّ الذي عرفَ بالخبر سيتجاهلُ إخباري لمعرفتهم أنني سأُجنُّ من هوله ، محدّثاً نفسي : ربّما لا يعلم أنني عرفت الخبر و أستعدُّ للسفر اليوم أو غداً إليه للبقاء قربه ..
تابع جملته .... بنفس الارتباك :
- خالد نصر أعطاك عمره .
...............................................................................
....................................................................................................
...................................................................
......................................................................................
تبّاً للغربة .. ، تبّاً للحظةِ التي حرمتنا من أهلنا و أحبتنا .
قُلتُ له ذات مرة :
آه يا خالد من كان يتصور أننا سنلتقي هاهنا في ( السعودية ) ، بعد أن غادرتُها أنا قبل سنين ثمّ شاءَ القدرُ أن تلحقني إلى نفس البلد ..
كم استحلفتني .. أنْ لا أطيلَ إجازتي القادمة في ( سورية ) لأجلِ أن أُتبِعها بإجازةٍ أخرى تقع في موعدِ إجازتك لنلتقي هناك سوياً ليكتمل المثلث الذي بقي ضِلعهُ الثالث في ( سورية ) و تاهَ الضلعين الآخرين واحدٌ في ( الرياض ) و واحدٌ في ( الدّمام ) و كلّ ضلعٍ يتوقُ للآخر ..
صديقُنا في سورية .. قبل قليلٍ بكاك في محادثةٍ هاتفيةٍ ، و سيبكيكَ من جديدٍ في مرّاتٍ كثيرة ، و أنا أيضاً سأبكيك كثيراً يا خالد و أقسمُ لك بالذي أخذك منّا ليُريحَكَ من عناءِ الدّنيا و تعب الدّنيا و شقاء الدّنيا و ليزوّجك – كما كُنت تتمنى – لكن ليس من نساءِ الدّنيا بل من الحورِ العين و يُسكنك جناتِه جنّات الخُلد ..
أقسم لك يا خالد أننا سنبكيك أنا و ضلعُنا المكمّل لمثلثٍ فريدٍ شكّلناه ، صديقنا ( عَمْر ) ، سنبكيك كثيراً هناك في وطننا ، على طريق ( حلبون ) و أمام ( محل ) والدي و أمام شُرفةِ بيتكم و في مدخلِه عندما كُنتُ أصرخ بأعلى صوتي ( خاااااااااااااااااااااااااااااااالد ) لكي لا أصعد إلى الطّابق الثاني و أدقّ الباب قبل أن تُخبرني أنني أصلُح أن أعملَ كـ ( ناطورِ بناية ) .. لصوتي العالي الذي كان يجعلُك تهرولُ نازلاً على الدّرج لإسكاتي و نحن نضحك بصوتٍ عالٍ ثلاثتُنا ..
.........................................................................................
أقسِمُ أننا سنبكيك .. في تفاصيل صغيرةٍ و كبيرة ، في أمكنةٍ كثيرةٍ ، و مواعيد كثيرة ، سنبكيك في ذكرانا الحلوة و في ذكرى أيّام لعبنا و لهونا و جِدّنا و دراستنا و رحلاتنا و سهراتنا و مشاويرنا و خلافاتنا و كلِّ كلِّ شيء ..
ستبكيك ( الدّمام ) لأنك أحببتها و قررت أن تجتهد لتنقل عملك إليها ، فأغناك الله عنها و عن كلّ الدنيا .
.....................................
هنيئاً لك يا خالد .. هذي الميتة ، فأصدقاؤك الذين حملوك أقسموا لي أنّ الله كان معك من لحظةِ وقوعِك على الأرض و حتّى تخديرك تمهيداً للدخول لغرفةِ العمليات ، تُسبّحُ و تُكبّر و تُذكّرُ نفسك بالشهادة ، شهادةِ أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله .. ، لقد أقسموا لنا و هم يبكوك جميعهم أنّك كُنت صلباً ، قوياً ، مؤمناً ، و هذا ذاتُه الذي حصل معك لمّا حصل معك حادثٌ بسيارتك و أنت متوجهٌ إلى ( الدّمام ) في أولى زياراتِك لي ، عندما دارت بكما السّيارة أنت و صديقك .. و لم تلهِكم لحظتها عن ذِكر الله بشهادةِ كليكما رغم خطورةِ الموقفِ ، و بعثرةِ الأفكار .
لم يُشأْ الله أن يقبِض روحك إلا و أنت في ساحةِ جِهادِك ، في مكانِ عملِك .. حيثُ كُلّفت بإدارةِ أحدِ المشاريعِ الكبيرة بصفتِك كمُهندسٍ مدني ، تزكيةً لك من مُديرك لعلمِه بأخلاقك الحميدة و حسنِ سيرتِك .
آه يا ( أبو الخِلّ ) ، آه .. يا ( أبو نبيل ) ، آه يا ( شريك ) ، آه ( يا حبيب ) ، آه ( يا معلّم ) ، آه .. كم ذَرَفَتْ عيونُ مديركَ و عيونُ أصدقائك و عُيون كلّ من عرفك ، حتى سألت حارس المشروع الذي كُنتَ تُدير العمل به عنك راجياً أن يُسامحك و يتمنى لك الرّحمة فردّ عليَ و وجههُ يتكلّمُ عنه :
- خالد .. ( صَمْتٌ ) ..... هل يعرف أحدٌ خالد و لا يُحبّه ، كيف لا تُحبُّ رجلاً مبتسم الوجهِ دوماً ؟
........................................
ذكرياتُ يومِ سافرنا معاً في رحلةٍ غير مصدّقين أن أهلنا و بالذّات أهلك سمحوا لنا أن ننام خارج البيت لأيام عديدة حينما سافرنا إلى ( اللاذقية ) في السّاحل السوري ، و استأجرنا ( شاليهاً ) كما الكِبار ، و حيثُ كُنا نسبحُ ( هكذا كنا نظنُّ ) في الأماكن التي تطال فيها أقدامنا رمال الشّاطئ !! ، و الصباحاتُ التي كُنتُ أخرُج فيه مبكّراً لأتمشى ثم لتصحو أنت و تبحث عني ، و السهراتُ الجميلة التي قضيناها معاً نلعبُ ( الأتاري ) و نتمشى .. و كذلك لمّا تخاصمنا و أردتْ تركي و العودة إلى ( منين ) قبل أن أطيّب خاطِرك لنبقى معاً فترةً أطول ..
عمرٌ من الذكريات .. كيف أطويها ، و كيف لا أذكرُها و قد كُنا نتبارى فيما بيننا بالحكايا التي يتذكّرُها أحدنا ، تلك الأيام الجميلة في ( عين الصّاحب ) و على سطحِ بيتنا و في شرفةِ بيتك ، و في ثانوية البلدة حيثُ كُنا نلعب الكرة مع أصدقائنا بعد أن نظلّ نرتّبُ هذه الجَمْعَة لأسابيع ..
أيامَ كُنا نزورُك في ( كلّية الهندسة المدنية ) أو نذهب لزيارة صديقنا في ( كلّية التجارة ) ..
و في أسواقَِ دمشق و مطاعم دمشق و ملاعب دمشق و حدائق دمشق و ليلة رفضتَ أن ندخُلَ إلى أحد المطاعم لنتناول عشاءنا أنا و أنت و صديقنا ( عَمر ) لأنّ المطعم يقدّمُ مشروباتٍ كحولية :
- يا خالد نحن لا نشرب و لن نشرب ، نحن نريد أن نتعشى و حسب .
- لا لن أدخل .. دعونا نبحث عن مطعمٍ آخر .
............
يا حبيب .. أفتقِدُك كثيراً ، و سأفتقِدُك أكثر .. أقسمُ بالذي قدّر أن ينتزعك منّا و لهُ الحُكم و الأمر ، أنني سأفقِدُك كثيراً و سيفتقِدكُُ كلُّ من عرِفك ..
أيّها الخالد .. في قُلبي ، كم يُضنيني فُراقك .. و الآن أعي سبب إصراري عليك أن تأتني قبل أسبوعين بعد أن أجّلت زيارتك لأسبوعين متتالين ، أول مرة لأن صديقك في العمل و في السكن ( أعانهُ الله أيضاً على فقدك ) سيسافر إلى سورية في إجازة ، و في الأسبوع الثّاني لحفلٍ كان يجب أن تحضره في الشّركة التي تعمل بها ، و في اليوم المحدّد لزيارتِك ، و لأنك كما كُل يوم تصلُ لبيتِك مجهداً هاتفتني و بعد السلام :
- ( معلّم ) .. ماذا تفعل إذا أجّلتُ موعِدَ زيارتي إليك ( و صوتُك متعبٌ جدّاً )
- سأفعل كذا و كذا ( متوعّداً بقسوةٍ ممزوجةٍ بالمزاح )
- حسناً .. حسناً .. سأأتيك .
السّبب أنني كُنت قد جهّزتُ نفسي وبيتي و ظروفي و كلّ شيء لاستقبالك ، و بشكلٍ مبالغٍ فيه ، حتّى ثلاجتي التي أهملتُ ترتيبها و العنايةَ بها ، خصصتُها بعنايةٍ خاصة لأنّك الوحيد من بينِ كلّ الذين يزوروني الذي يفتح ثلاجتي بنفسِه و يتصرّف تماماً و كأنّ هذا البيت بيته .
..................................................................................
...................................................
و لمْ تثنهِ إغراءاتُ ابن عمّه للعدول عن السفر إلى ( الدّمام ) في وقتٍ متأخر حسب ما أخبرني بهِ ابن عمّه بعد وفاتهِ مصّراً على زيارتي لأنّه وعدني :
- سأذهب .
و كذلك حاول صِهرُه ( زوج أُختهِ ) الذي لم يرهُ لا هو ولا زوجتهُ ( أخت خالد ) منذ موسم الحجّ لمّا زارها حيثُ تسكُن في ( جدة ) ، حاول دعوتهُ لزيارتهم يومَ زيارتهِ لي فأخبرهُ أنّه على موعدٍ معي واعداً إياهُ أن يزره في أسبوعٍ لاحق ، حدّده حسب ما أخبرني بهِ صِهرهُ في يوم الخميس أي يوم وفاتهِ بعد بقائه في المستشفى من يوم الأحد يومِ الحادثة أي بعد أربعةِ أيامٍ .
............
اليوم يا خالد .. في 13 أيّار 2008 ، ووريتَ الثّرى ، عند السادسة و النصف مساءً ، أي بعد أكثر من خمسةِ أيامٍ على وفاتِك .. لم تنفع كلُّ الرجاءات و الأمنيات و الحيل التي صنعناها لإقناعِ أهلِك أن توارى هنا إكراماً لروحِك و عملاً بتوصيات ديننا .. إلا أنّ الكلّ رفض و أمّك قالت :
- أتحرمونني من رؤيتهِ لآخر مرة !!!؟
معكِ حقٌّ يا أمّ خالد ، فمصابُكِ عظيم كمصابِنا ... و كُلّنا نقدّر ولا نُحيطُ تماماً بإحساس أمًّ راهنت كثيرأً على بِكرِها ، و ربّته على طريقةِ ( كلّ شبر بـِنَذْر ) لكنّ حكمة الله قضت بما قضت و لا حول ولا قوة إلا بالله .
اليوم يا خالد .. كُلّ ( منين ) التي أردت أن تجمعنا في إجازةٍ واحدة لكي لا تشعر بالغربة لوحدك هناك ، كلٌّ ( منين ) التي عرِفتك و أحبتك .. هاهي تخرُج كُلّها في عرسِك ، و أبي أكّد لي :
- لم أشهد في ( منين ) جنازةً كما هذي الجنازة في عمري .
و هذا ما أخبرني بهِ مساءً أحدُ أعزّ أصدقائنا و أكثرهم ثقةً عندي :
- حتى أسواق دِمشق التي يملِك فيها أهل ( منين ) الكثير من المحلات ، أغلقت أبوابها ، لتُشارك في الجنازة .
و لم أستطعْ أن ألملمَ دموعي و أنا أُحادِثُ أمّي و هي تُخبِرُني كيف رُفعتَ على الأكتاف وليُصلّى عليك في الجّامع الذي لطالما ألتقينا فيهِ بعد صلوات كثيرةٍ جمعتنا ...
طوابيرٌ طويلةٌ من النّاس الذي عرِفوك و لم يعرفوك .. شاركوا ، و أنا بعثتُ روحي لتُشارك و لتصّلي صلاةً طويلةً ، عميقةً ، خاشعةً ، أكبّر فيها بدموعي .
.....................................................................................
أيّها الخالد في قلبي ..
في يومِ دفنِك توفي عمّي الذي يسكنُ في ذات الشّارع قبل بيتك ببضعةِ بيوت ، و توفّي شابٌّ آخر في البيت المقابلِ لبيت عمي .. ماذا يحصل !!؟
سبحانك اللهم لا اعتراض على حُكمك ..
إنّا لله و إنا إليه راجعون .
إلى رحمةِ الله .. يا خالد نبيل نصر و نحتسبُك من الشهداء أو في منازِلهم فقد مُتَ في غربتِك ، في عملِك .
أسألكم بالله الدّعاء له .. فخالد رجلٌ مؤمنٌٌ ، كريمٌ ، نظيفُ القلب ، طيّبُ ، حسن السيرة ، لطيفٌ و مؤدّب ، ختم حياته بذكر الله و بشهادة أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله ، حجّ إلى بيت الله الحرام مرتين في الموسمين اللّذين جلس بهما في السعودية حيث لم يتجاوز على مجيئه إليها للعمل سنتين، كما أنّه اعتمر مراتٍ عديدة .
(( اللهم اغفر له وارحمه, وعافه واعف عنه, وأكرم نزله ووسع مدخله, واغسله بالماء والثلج والبرد, ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس, وأبدله داراً خيراً من داره, وأهلاً خيراً من أهله, وزوجاً خيراً من زوجه, وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار ))
(( اللهم اغفر لحيّنا و ميّتنا, وشاهدنا وغائبنا, وصغيرنا وكبيرنا, وذكرنا وأنثانا, اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان, اللهم لا تحرمننا أجره, ولا تضللنا بعده ))
(( اللهم إن خالد بن نبيل في ذمتك وحبل جوارك, فقه فتنة القبر وعذاب النار, وأنت أهل الوفاء والحق, فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم ))
(( اللهم إن عبدك وابن أمتك احتاج إلى رحمتك و أنت غني عن عذابه , إن كان محسناً, فزد في حسناته وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه ))
(( اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا, اللهم اغفر له, اللهم ارحمه, اللهم أرجعه إلى خير مما كان فيه, اللهم عفوك, اللهم ارفع درجته في المهديين, وأخلفه في تركته في الغابرين, ونحتسبه عندك يا رب العالمين, اللهم ولا تحرمنا أجره, ولا تفتنا بعده ، اللهم عبدك وولد عبدك نزل بك اليوم, وأنت خير منزول به, اللهم وسع له في مدخله, واغفر له ذنبه فإنا لا نعلم منه إلا خيراً وأنت أعلم به ))
(( اللهم عبدك وابن عبدك, أنت خلقته, وأنت هديته للإسلام وأنت قبضت روحه, وأنت أعلم بسريرته وعلانيته, جئنا شفعاء له, اللهم إنا نستجير بحبل جوارك له, فإنك ذو وفاء, وذو رحمة, وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته, اللهم نور له في قبره, وألحقه بنبيه ))
(( اللهم بارك فيه, وصل عليه, واغفر له, وأورده حوض نبيك صلى الله عليه وسلم ))
(( اللهم عبدك, وابن عبدك, وابن أمتك, يشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك, ويشهد أن محمداً عبدك ورسولك, أصبح فقيراً إلى رحمتك, وأصبحت غنياً عن عذابه, إن كان زاكياً فزكه, وإن كان مخطئاً فاغفر له, اللهم لا تحرمنا أجره, ولا تضلنا بعده ))
(( اللهم إن عبدك خالدً كان لا يشرك بك وأنت أعلم به, إن كان محسناً فزد في إحسانه, وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه, اللهم لا تحرمنا أجره, ولا تضللنا بعده ))
(( عبدك ونزل بك, فارأف به وارحمه, اللهم جاف الأرض عن جنبيه, وافتح أبواب السماء لروحه, وتقبل منه بقبول حسن, اللهم إن كان محسناً فضاعف له الحسنات, وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه ))
(( اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا الذين شهدوا لك بالوحدانية ولنبيك بالرسالة وماتوا على ذلك... اللهم اغفر لهم وارحمهم..
وعافهم واعف عنهم..
و أكرم نزلهم ..
ووسع مدخلهم..
واغسلهم بالماء والثلج والبرد..
ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض..
اللهم جازهم بالحسنات إحسانا..
وبالسيئات عفواً وغفرانا..
اللهم أنزل على قبرهم الضياء والنور..
والفسحة والفرح والسرور..
اللهم أنزل عليهم بردا وسلاما..
اللهم انقلهم برحمتك من عتمة القبور..
إلى نور وسعة الدور والقصور ومن ضيق اللحود إلى جناتك جنات الخلود ..
في سدر مخضود..
وطلح منضود..
وظل ممدود..
وماء مسكوب..
وفاكهة كثيرة..
لا مقطوعة ولا ممنوعة..
وفرش مرفوعة ..
اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ....
اللهم اجعل قبرهم روضة من رياض الجنة ..
اللهم بيض وجههم..
ويمّن كتابهم..
ويسر حسابهم..
وليّن ترابهم..
وطيب ثراهم..
وثبتهم على الصراط..
اللهم اجعلهم يمرون على الصراط كالبرق الخاطف..
اللهم أظلهم تحت ظل عرشك..
يوم لا ظل إلاّ ظلك ولا باقٍ إلاّ وجهك..
ولا تحرمهم النظر إلى وجهك الكريم..
والشوق إلى لقائك..
اللهم احشرهم تحت لواء نبيك محمد صلى الله عليه وسلم..
واسقهم من يده الشريفة الطاهرة.. شربة هنيئة مريئة..
لا يظمؤون بعدها أبدا..
وبلغهم شفاعة الحبيب المصطفى..
اللهم اجعل القرآن العظيم شفيعا لهم في قبورهم..
وشاهدا لهم في الآخرة..
وحجة لهم يا رب العالمين..
اللهم اجعلهم من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب..
اللهم أسكنهم في الفردوس الأعلى من الجنة مع نبينا و حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم.. اللهم اسكنهم في قصورها..
واسقهم من أنهارها..
وأطعمهم من ثمارها..
اللهم أخرجهم من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم..
واعتق رقابهم من النار..
اللهم اقض عنهم كل دين..
اللهم أبدلهم<