
عني أنا ... فقد اعتنيتُ بوحدتي كما يجب ، فأنا حريصٌ مُذ عرفتها على الهروبِ بسرعةِ السيّارة القصوى إلى بيتي فور انتهائي من عملي الممل رغم أنّه غيرُ مقيدٍ بمكانٍ أو بأشخاص ، دون أن ألتفِت إلى الدّعواتِ المتكررة لسهرةٍ ما أو رحلةًٍ سياحيةٍ قصيرةٍ إلى البحر .. أو إلى الضجر !
و أدخلُ من بوابةِ بيتي ثم أقفلها بـ ( طقتين ) و أركضُ إلى وحدتي معانقاًَ إياها ، أُسكتُ شوقي بشهيقٍ طويلٍ لرائحتها التي و رغم أنها كانت رائحة العَفَن إلا أنني كُنت أشمُها متوهماً و ربما بنيةٍ مسبقةٍ أن أشمّها تخفيفاً عليّ رائحةَ ياسمينٍ و جوري ! ، ثمّ أقتربُ من أذنيها هامساً : أقسمُ أنني اشتقت إليكِ !
بعد العشاء .. الذي قد يكون مجرد ( سندويشةٍ ) من الجبنِ أو من الزعتر أو اللبنة أو .. الأمل ، و قد يكون أحياناً مائدةً طويلةً عريضة بطول صبري و عرض البحرِ الذي أشربهُ ( طفشاً ) كلّما ضاقت بي الحيل ، أفرِغٌ بها صنوف الطعامِ الموجودةِ في ثلاجتي رغبةً مني باستحضار موائدِ بيتنا التي كانت عامرةً بحواضر الطعام الريفي المعتاد ، فأملأ معدتي .. رغم أنني في كل صباحٍ أراجع وزني لأرى أثر سهرة الليلة السابقة على ( كرشي ) الذي أخاف أن يصير كما كلّ الذين ابتلاهم الله بالغربة في هذه البلاد !!
ثم .. أفتحُ ( التلفاز ) رغم حالةِ الفتورِ الواضحةِ في علاقتي معه خاصة بعد أن وجدت في الاختراع المذهل ( الكمبيوتر ) آفاقاً أوسع في التّنفيس عن أوجاعي من خلال القراءة و الكتابة و التخاطب مع الأماكن و الأشياء فضلاًَ عن الأشخاص عبر الاختراع الآخر ( الإنترنت ) ..
و كلّما فتحت ( التلفاز ) كنتُ أفتح معه أبوابَ الوطن و الأهل و النّاس و الإحساس و .. الدمع !!
في القنوات الإخبارية .. أبكي علينا ، في القنوات الجّادة أبكي على هزلنا ، في القنوات الموسيقية أبكي على شبابنا ، في قنوات السّحر و التنجيم و التزويج بكل أنواعه ( شرعي ، نصف شرعي ، مسيار ، غير شرعي و غير ديني و غير أخلاقي ) أبكي على ديننا و أخلاقنا ، و في قنوات الدردشة و ( الحكي الفاضي ) و الـ ( اس ام اس ) و ( ام ام اس ) أبكي على عقولنا و فراغها و فراغنا ..
و في القنواتِ التي يُطلُّ فيها وطني ضاحكاً مستبشراً ، أو مهموماً حزيناً ، عبر حكايةٍ ما .. أو خبرٍ ما .. أبكي كثيراً .. أُجهِشُ بالبُكاء ، و أغلقُ النّوافذ و الأبواب ، و أطفأ الأنوار لأستلذّ بصدى دمعاتي لمّا ترتطم بخدودي هابطةً إلى عنقي ثم إلى صدري الممتلئ بالأشياء الجميلة من آهاتٍ و حسراتٍ و دمعاتٍ و صلوات ..
أبكي غربتي عن وطني الصغير و وطني الكبير .. و قبل أن تجفّ دموعي ألتفتُ إلى ( وحدتي ) لكي لا أُشعِرَها بالوحدة ! ، فأجدُها غيرَ مباليةٍ بي ، تضعُ رجلاً على رجلٍ ، و تدخِّنُ ( سيجارتها ) ، و تمضغ لُبانها ( علكتها ) ، و تتمشى عبر القنواتِ التلفزيونية المسلية و هي تُدندنُ أغنيتها المفضلة ( بوس الواوا ) !!!!
نائل خليل
2 كانون الثاني 2008








said:

said:

said:





من المغرب