لا أعرف ما الذي كان يستهويني في السياسة و منذ الصغر حيث كنت أحرص على ممارسة ( الضحك / البكاء ) على صحفنا العربية السياسية وفيها دائماً أرى أمريكا تركل العرب ، تماماً كحرصي أن لا أفوِّت ممارسة هوايتي المفضلة بركل الكرة أو مشاهدة من يركلها !!
فكانت متابعتي هذه قد أودت بي إلى مجموعة من المسلّمات التي أؤمن بها و لست أنغلق على نفسي فأنا هاهنا معكم .. لأتعلم أكثر ..
• عن الديمقراطية ..
يا أحبائي .. ليس صحيحاً أن الديقراطية يمكن ان توضع كقالب مستورد ، جاهز ، مفصل على مقاسات أوجاعنا ، فتصبح صحفنا و إذاعاتنا و ( تلفزيوناتنا ) و صالاتنا و مقاهينا ثرية بحوارات متزنة ، و فكرٍ متقد ، و نقد بناء ، و مصافحاتٍِ أخوية تأخذ بعين الاعتبار أن الوطن فوق الجميع و أننا قد نؤمن كلٌّ بحجمه ، فلا يرغب ( بل و يعمل على تحقيق رغبته ) صاحب رأس مال أن يحجر مقعده في مجلس الشعب ، و يصير فقيرٌ لا ينام ليله و هو يفكر بتلك الديمقراطية التي ستجعله يأكل ( ربطة خبزٍ ) و ( شوية جبنة و زعتر ) و ( شوية تطنيش ) و يمشي ( الحيط الحيط و يا رب السترة ) !!
و يصبح كل شيء موزع بعدل .. في السياسة و الاقتصاد و الرياضة والسياحة و ... الواسطات !
نعم .. الديمقراطية ضرورة ، لكن هل النظام وحده هو المسؤول عن حرماننا منها ، أم أننا شعب لا يعرف ما هي الديمقراطية لأنه مستعد أن يدوس على أخيه لأجل أن يحجر مقعداً له في ( الهوب هوب / الحافلة ) ، و هو مستعد أن يقتلك إذا رأى أن نظرتك ( الديمقراطية البحتة ) قد تحرمه من منصبه رغم أنه لا يستحقه !
و إذن ... أحدنا يؤمن بك رفيقاً و صديقاً و أخاً ، و يحاورك بديمقراطية و يعانقك بديمقراطية و يقبِّلك بديمقراطية ، ثم إذا أردت لمصلحة الوطن و ربما لم تكن أنت الذي أراد أن تضبط سلوكه ولن أقول أن تلغيه ، فهو عندها سيدوسك أيضاً تحت أقدامه بكل يمقراطية و عليك .. أن تبتسم !!
ثم ... الحكام العرب من أين أتوا ؟ هل رأيتم حاكماً لإقليمٍ ما من أقاليمنا العربية قد أُستورد من الفلبين أو من أثيوبيا .. أو من مدارس ( البيت الأبيض ) أو .. من المخابرات البريطانية ، حكامنا أليسوا أبناء هذه الأرض و عادةً ( أقول عادة كي لا أُتهم أنني أعمم ) نحمل الفكر الواحد و النظرة الواحدة و النرجسية و .. الغباء ذاته فيما بيننا !!!
نحن نتشدق الآن بالديمقراطية ، ثم إذا ربحنا ورقة يانصيب ( سياسية ) أو سقطت بشارة ( معجزة ) من السماء بتسمية أحدنا كوزير ( بأي مرتبة قرف ) فهل نضمن أن ندوس على رقاب الناس بشكل يشابه و ربما يفوق ما نراه اليوم من حكامنا !!؟
لو أستلم أحدنا ( و أكرر أنني لا أعمم ) أي منصب في أي مكان .. بل لأكون أكثر وضوحاً لو كان أحدنا يملك مجرد ( بقالة / ميني ماركت ) و تحت مأموريته يعمل عامل ، فتحت أي سقف ديمقراطية ستكون علاقتنا ، هل يجرئ هذا العامل أن يقول لمديره مثلاً : أنت مدير فاشل و هو كذلك حقاً .. كيف سيتصرف فيما لو أخطأ هذا العامل ذات مرة في عدد ملاعق السكر الذي يجب أن توضع لإبريق شاي معلّمه !!؟
فلنفهم الديمقراطية أولاً ثم لنمارسها في بيوتنا مع زوجاتنا و أولادنا ، في أعمالنا ، بين أصدقائنا ، قبل أن ( نتفلسف ) على حكامنا و نتهمهم أنهم وراء كل مصائبنا .. وهاهم بالعراق اليوم ، كلُّ واحدٍ يكتب على مزاجه و يشتم على مزاجه و يعبد على مزاجه و يكفر على مزاجه .. لكن اسمحوا لي بسؤال شيطاني بغاية البراءة : أين العراك ( عفواً .. أين العراق ) !!!؟
أنا أراهن أن أغلب هؤلاء الذين يصرخون ليل نهار مطالبين حكامنا بالنزول عن كراسيهم بحجة البيروقراطية الإدارية و الدكتاتورية السلطوية و الفساد و التوريث و تجويع العباد و التفريط بثروات البلد .. أراهن أنهم لا يجيدون وضع ميزانية منازلهم ولا يسمحون لأي فرد في الأسرة بأن يقول : كلا .. ربما لو .. لو أن .. بل أنه حتى كلمة ( لو سمحت ) مرفوضة ! ، هم متسلطون و إذا رأيتهم في مؤسسة خاصة ( أؤكد على خاصة ) تراهم حريصون أن يكون نائب المدير الأول و الثاني .. والمدير المالي و مدير التسويق و مدير المبيعات و مدير العلاقات العامة و كل المدراء و نوابهم من قرابة الرأس الكبير من الأصل و حتى الفروع .. و يسمح أن يكون لعمال النظافة و طباخي الشاي و القهوة .. و بالتأكيد السكرتيرات أن يكونوا من عامة الشعب !!!!
ثم يتشدقون بتوريث الحكم ، و ترى موظفوهم أشد الناس شكوى مادية لقلة رواتبهم لكنهم يرضخون لمبدأ ( يلي مو عاجبو الله معو / يحلق ) أما البديل رأسماله إعلانٌ صغيرٌ جداً في إحدى الصحف أو على جدار ملاصق لإحدى المقاهي ( اختصاص بطالة / أركيلة / لعب ورق ) لترى طوابير الجائعين مصطفة راضية بالقليل القليل على مبدأ ( أحسن من القعدة ) !! ثم يرفعون لواء المطالبة بزيادة الرواتب الحكومية و اتهام الحكومة و السلطة أنها وراء تجويع العباد و .. الدواب !
ثم إنهم في سبيل ملذاتهم و شهواتهم مستعدون لإنفاق إيراد المؤسسة كله ، و إيراد عشر مؤسسات أخرى لأجل رحلة من رحلات الصيف المشبوهة في أوروبا فيها الليالي كلها حميمية ، هم على استعداد على أن يبيعوا المؤسسة بمن فيها و يبيعوا الوطن بمن فيه لأجل أن ينعموا بالراحة الكاملة .. ثم يتشدقون عن إهدار الثروات و سوء إدارة الموارد و الروتين الإداري و عدم عدالة تخديم المناطق !!
لذلك .. كفانا فلسفة و تنظير و لنبدأ بمحاسبة أنفسنا أولاً
قال جل جلاله : (( ذلك بأن الله لم يكُ مغيراً نعمةً أنعمها على قومٍ حتى يغيروا ما في أنفسهم و أن الله سميع عليم )) الأنفال 53
و قال جل من قائل (( .. إن الله لا يغير ما بقومٍ حتى يغيروا ما بانفسهم و إذا أراد الله بقومٍ سوءاً فلا مرد له وما له وما لهم من دونه من والٍ )) الرعد 11
و لم يقل حاشا لله (( ... حتى يغيروا ... حكامهم ! ))

نائل خليل
Naelkhalil_335@hotmail.com
17 كانون الأول 2006










