

يأخذنا ( الماغوط ) إلى لغةٍ محكيةٍ بألسنة الناس البسطاء المسكونين بخوفٍ أزليٍّ من المجهول ، و من المعلوم !! ، و الذين وضعوا رقابهم ثمناً للقمة خبزٍ ماديةٍ أو روحيةٍ !! و لم يستلذوا لمرةٍ واحدةٍ بإكمالها كما يفترض ، لأن الخوف يحرمنا من الاستمتاع بكل ما يمكن أن نستمتع به ، حتى لو كان دمعةً نريد بها أن نرثي بها أنفسنا لنرتاح !!!
هذا ( الماغوط ) الساحر / الساخر !! .. عاش شقياً و مات كذلك ، و كان الظلم يسكنه بدون أن نتهم الظلم أن كان دوماً هو الذي يرتكب ( الماغوط ) بل أنني أكاد أجزم أن ( الماغوط ) هو الذي كان يفعل ذلك بدون أن أستطيع أن أحدد سبباً لذلك لكنّ كل الاحتمالات واردة و أقربها بالنسبة لي هو تلذذه بتعذيب نفسه .. في سبيل أن يصقل روحه لتحرض قلمه إلى إبداعاتٍ تضحكنا حتى تصل شفتنا العليا إلى عيوننا و السفلى إلى رقابنا ، ثم .. يبكينا بذات البساطة و بذات التعقيد ، يضحكنا علينا و يبكينا علينا !!
لقد خيب ( الماغوط ) توقعاتي ، فهو أول كاتبٍ أضحكتني كلماته المكتوبةٌ بالشكل الذي ذكرته سابقاً متلذذاً بأن أسمع صوت ضحكاتي لأصدق أن نصاً مكتوباً قد فعل بي الذي فعله ، ثم .. لأحسَّ بحاجة صادقةٍ للبكاءِ طويلاً بعد جلسة غير قصيرةٍ من التأمل و الحساب !!
( الماغوط ) ... علمنا السياسة من بوابة السخرية ! و علمنا الثورة .. و هو يقضي سنواتٍ من حياته خلف قضبانِ السجن !!
هنا في ( سأخون وطني ) ، خان ( الماغوط ) الوطن الذي صنعه لنا ساستنا و ( عبد ) الوطن الذي وجده حينما خرج من بطن أمه !!
في كل حرفٍ كان يكفر بالواقع المر .. و يتمسك برأس خيطٍ رفيعٍ لصحوةٍ قد تأتي قبل أن يغمض جفنيه للأبد و للأسف لم يحظى بما تمنى !
مما كتبه في هذا الكتاب :
- ما هذا ؟ أمة بكاملها تحل الكلمات المتقاطعة وتتابع المباريات الرياضية، أو تمثيلية السهرة ، والبنادق الإسرائيلية مصوبة إلى جبينها و أرضها وكرامتها وبترولها .
- إذا كانت الدول الأقل غنى منا قد وفرت لكل مواطن دبابة واحدة على الأقل. فحريّ بنا نحن العرب، وقد وهبنا الله تلك الثروات والموارد التي لا تنضب، أن يصبح لكل مواطن عربي في المستقبل لا دبابة واحدة بل خمس دبابات على الأقل: واحدة إلى يمينه ، وواحدة إلى يساره ، وواحدة أمامه ، وواحدة وراءه ، وواحدة فوقه وبذلك يرتاح ويريح !!
- هل هناك حوار بين السلطة والشعب في أي زمان ومكان في هذا الشرق؟
فأي مسؤول انكليزي، مثلاُ، عندما يختلف في الرأي مع أي كان في محاضرة أو مناقشة في بلده يأتي بحجة من شكسبير لإقناع مستمعيه.
والايطالي يأتي بحجة من دانتي.
والفرنسي يأتي بحجة من فولتير.
والألماني يأتي بحجة من نيتشة.
أما أي مسؤول عربي فلو اختلف معه حول عنوان قصيدة لأتاك بدبابة فتفضل وناقشها !!
- منذ أن صوبت إسرائيل إلى العرب بأنظمتهم اليمينية واليسارية على حد سواء أول مدفع وأول كمبيوتر وأول طائرة بدون طيار، وصوب العرب إليها أول انقلاب وأول ميكروفون وأول إنسان دون فك لأنه يميني ودون أضلاع لأنه يساري.
ومنذ أن استقلت الدول العربية عن الاستعمار وعن شعوبها في نفس الوقت، واحتكرت السلطة فيها الفكر والسياسة والاقتصاد والعلم والمعرفة والأدب والفن والرياضة والثروة المعدنية والبشرية والحيوانية، وجردت الإنسان من أي قيمة أو فعالية أو حافز، وتركته عارياً بثيابه الداخلية سياسياً وثقافياً وتاريخياً واقتصادياً بالطبع أمام العالم أجمع.
وكل طرف يحمل الآخر ما جرى ويجري في المنطقة .
- ولذلك سأدافع عن حقدي وغضبي ودموعي بالأسنان والمخالب.
سأجوع عن كل فقير.
وسأسجن عن كل ثائر.
وأتوسل عن كل مظلوم.
وأهرب إلى الجبال عن كل مطارد.
وأنام في الشوارع عن كل غريب.
لأن إسرائيل لا تخاف ضحكاتنا بل دموعنا.
ولا بناء من عشرة طوابق بل شاعراً يكتب في قبو.
ولا تخشى وحدة بين مصرفين بل بين جائعين.
ولا اتحاداً بين نظامين بل بين شعبين.
ولا القمم العالية بل ما يتجمع حولها في الوديان.
ولقد يكون هذا الزمان هو زمان التشييع والتطبيع والتركيع، زمن الأرقام لا الأوهام والأحلام. ولكنه ليس زماني. سأمحو ركبتي بالممحاة، سآكلهما حتى لا أجثو لعصر أو لتيار أو مرحلة. ثم أنا الذي لم أركع وأنا في الابتدائية أمام جدار من أجل جدول الضرب وأنا على خطأ. فهل أركع لـ بييغن أو لسواه أمام العالم أجمع بعد هذه السنين، وأنا على حق؟
إني لست مخلصاً لوطني وعروبتي وأناشيدي المدرسية وحسب بل إنني مخلص حتى لسعالي.
ولن أيأس، ولن أستسلم ما دام هناك عربي واحد يقول: "لا" في هذه المرحلة ولو لزوجته !
سأكتفي .. لأحرضكم على قراءة ( الماغوط ) و لتتعلموا أبجديات حب الوطن بالدموع ، و الثورة ، و الشعر ، و الرسم بالجبين و الركب !! و أعدكم أن تترحموا على ( ماغوطنا ) رحمة الله عليه ، و أن تدعوا لي كونني أخذت بأيدي ضعفكم و حزنكم و انكساراتكم إلى فسحة من الأمل !!

يعد ( الماغوط ) الأب الأكبر لقصيدة النثر العربية و يعد الذي قال في إحدى مقالاته "أنا ضد أن نعالج الأشياء من خلال مظهرها ويجب أن نغوص إلى الأعماق"، من أبرز القامات الأدبية والشعرية والمسرحية على الساحة العربية وأحد الكتاب الأوائل ممن مضوا بقصيدة النثر نحو فضاءات جديدة وصاحب قلم مميز بأفكار خلاقة استثنائية في كتاباته الصحافية التي نشرت في صحف محلية وعربية عدة حيث غلب عليها الطابع الوطني والقومي ولاقت استحسان وإعجاب جمهور القراء العرب في مختلف بلدانهم. كما أبدع الراحل في مختلف كتاباته حيث ألف مسلسلات ومسرحيات عدة وكتب في الرواية والشعر والمسرح والمقال الأدبي وهو عضو في اتحاد الكتاب العرب. ومسرح الماغوط كان مغموسا في ماسي وآمال وأحلام الشباب العربي بطابع ومضمون وطني محاولا فهم سر كل ما يعانيه الوطن من خلال لغة إبداعية متقنة والتي كان لها الفضل الأكبر في ولادة مسرح جديد عرفته سورية وباقي الدول العربية طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي. كما عكست مسرحيات الماغوط هموم المواطن العربي اليومية وطموحاته في الوصول إلى ما يبتغي ويصبو إليه من خلال اهتمام تلك المسرحيات بالجزئيات الصغيرة التي تهم الإنسان باعتبارها نواة للقضايا الكبرى.
عاش الماغوط مع الكوابيس, حتى صار سيد كوابيسه واحزانه, وصار الخوف في لغته نقمة على الفساد والبؤس الانساني بكل معانيه واشكاله.. لغته مشتعلة دائماً بقارئها, تلسعه كلماتها كألسنة النيران, ترجه بقوة, فيقف قارئ الماغوط امام ذاته, ناقداً, باكياً, ضاحكاً, مسكوناً بالقلق والأسئلة.
قال الماغوط ذات مرة بكلمات مختصرة كاد يلخص بها اسلوب حياته وأدبه: بدأت وحيداً وأنتهيت وحيداً كتبت كإنسان جريح وليس كصاحب تيار او مدرسة.
في قصائد ومسرحيات وأفلام الماغوط, يقدم الشاعر والكاتب والأديب الكبير نفسه عازفاً منفرداً, وطائراً يحلق خارج السرب, لا يستعير لغته من أحد, ولا يأبه إلا لنفسه في انتمائه وعشقه وعلاقته بالناس والأمكنة.
الماغوط وفيٌّ لعذاباته.. قوي الحدس.. شجاع في اختراق حصار الخوف وأعين الرقباء, منحاز الى الحرية والجمال والعدل.. وله طقوسه في حب الوطن وعشقه له.. وتجد في مسيرته محطات حميمة في دفاتره وفي حياته الشخصية والابداعية
وهو شاعر في كل نصوصه وفي كل تفاصيل حياته, يحتفظ بطفولة يندر مثيلها, يسافر في كل يوم الى نفسه وذكرياته, يذلل أحزانه وأوجاعه ويستعيد صور احبته واصدقائه وعذابات عمره.. ويداوي نفسه بالكتابة والمكاشفة فتولد قصائده ونصوصه حاملة صورة الماغوط وحريق روحه واكتشافاته التجريبية في الحياة واللغة.. فهو مدهش مفرد الاسلوب والموهبة, واصدقاء شعره في جيله وكل الاجيال اللاحقة يتبارون في الاحتفال والاحتفاء به شاعراً واديباً وكاتباً كبيراً.
نال الماغوط عدة جوائز عن مجمل أعماله الشعرية والمسرحية ومن تلك الجوائز حصوله على جائزة العويس 2004-2005 في حقل الشعر كما تم تكريمه في العام 2002 في حفل أقيم في مكتبة الاسد بدمشق بمناسبة صدور ديوانه حطاب الاشجار العالية ضمن منشورات كتاب في جريدة كما كرم الراحل في مسقط رأسه مدينة السلمية التي اهدته مهرجانها الشعري السنوي عام 2004 والذي يقيمه المركز الثقافي في السلمية.
كما نالت معظم أعماله القصصية والمسرحية والشعرية جوائز في مهرجانات عربية ودولية تناولتها أقلام النقاد في صحف عربية وأجنبية وتكلمت باستفاضة عن مسرح الماغوط الذى أسس لحقبة جديدة من تحفيز الشارع العربي وتوعيته تجاه القضايا الملحة والراهنة التى تتهدد حياته ومستقبله.
وحاز الماغوط من خلال كتاباته التى امتلأت بالحس الوطنى إعجاب وتقدير معاصريه من الشعراء والكتاب والقراء حيث استطاع أن يخلق نوعا من الحراك الثقافى لدى جمهوره الذى ينتمى الى مختلف الاعمار الثقافات
وترجمت دواوينه ومختارات له ونشرت فى عواصم عالمية عديدة اضافة الى دراسات نقدية وأطروحات جامعية حول شعره ومسرحه.












قرأت ( سأخون وطني ) سنة 1991 و لازال حتى هذه اللحظة من أحب الكتب التي قرأتها الى قلبي ..كما أحب الماغوط كشخص ..رحمه الله .
سأحاول تحميل الكتاب من هنا .. هذه فرصة ذهبية لأقرأه من جديد ..أشكرك جزيل الشكر لأجل ذلك .
أذكر انه ألحّ عليّ مرّة و انا اكتب ..فذكرته بطريقتي هنا :
http://joe75.jeeran.com/archive/2007/11/392867.html
كل التحية يا نائل